النبوات وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 37
✍بوعلام محمد بجاوي
قال القرطبي: ولا يخفى ما تضمنه هذا الحديث من
الأحكام ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم،
وأن حديث عمران بن حصين نازلة أخرى غير ما تضمنه حديث أبي قتادة.اهـ[1]
وفي تكثير الماء
حديث آخر عن معاذ بن جبل: غسله من ماء العين ثم إعادته فيها
أخرجه
مسلم 10 - (706)[2] وتبعه القرطبي في سياق أحاديث أنس، ويأتي شرحه، ولفظه "...إنكم
ستأتون غدا – إن شاء الله – عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها
منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي. فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل
الشراك تبض بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله صلى
الله عليه وسلم هل مسستما من
مائها شيئا؟ قالا: نعم! فسبهما النبي صلى
الله عليه وسلم وقال لهما ما
شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء.
قال: وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يديه ووجهه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء
منهمر، أو قال غزير - شك أبو علي أيهما قال حتى استقى الناس، ثم قال: يوشك يا معاذ
إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا"
معنى
الآية: يحتمل خروج الماء من أصابعه، ويحتمل تكثير الماء بإدخال أصابعه صلى الله عليه وسلم
قال عياض: وقوله: "رأيت الماء ينبع من بين أصابعه": حمله
أكثرهم على خروج الماء منها وانبعاثه من ذاتها، وإليه ذهب المزني وغيره، (فقال):
وهو أبهر أنه من تفجير موسى الحجر وغير ذلك؛ إذ خروجه من الحجر معهود.
وقال
آخرون: يحتمل هذا، ويحتمل أن الله كثّر الماء في ذاته، فجعل يندفع في الجفنة
والإناء، ويفور من بين أصابعه.
وكلا
الوجهين فمعجزة عظيمة، وآية باهرة خارقة للعادة.اهـ[3]
وفي
كتب دلائل النبوة: للفريابي أبي بكر جعفر بن
محمد (ت: 301) وأبي نعيم الأصبهاني أحمد بن عبد الله (ت: 430) والبيهقي أبي بكر
أحمد بن الحسين (ت: 458) أحاديث غيرها،
وإنما اقتصرت على "الصحيحين" اختصارا
بين معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم ومعجزة موسى عليه السلام
نبع
الماء من الحجر مألوف بخلاف نبعه من بين عظم ولحم، وهذا على القول بأن الما خرج من
أصابعه
قال القرطبي: وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى عليه السلام في نبع الماء من
الحجر عند ضربه بالعصا، إذ من المألوف نبع الماء من بعض الحجارة، فأما نبعه من بين
عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يسمع بمثله، ولا تحدث به عن غيره.اهـ[4]
ذكر
هذا المعنى الخطابي أبو سليمان حمد بن
محمد الخطابي (ت: 388)[5]، وحكاه
ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف (ت: 449) عن المزني أبي أبراهيم
إسماعيل بن يحيى (ت: 264) والمهلب أبو القاسم بن أحمد بن أسيد (ت:
433 أو بعدها)[6] وذكره ابن عبد البر في "الاستذكار"[7]
قال أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت: 430) في "دلائل النبوة": الفصل
الواحد والعشرون: في فوران الماء من بين أصابعه سفرا وحضرا، وهذه
الآية من أعجب الآيات أعجوبة وأجلها معجزة وأبلغها دلالة، شاكلت دلالة موسى في
تفجر الماء من الحجر حين ضربه بعصاه، بل هذا أبلغ في الأعجوبة؛ لأن نبوع الماء من
بين اللحم والعظم أعجب وأعظم من خروجه من الحجر؛ لأن الحجر سنخ من أسناخ الماء
مشهور في المعلوم مذكور في المتعارف، وما روي قط، ولا سمع في ماضي الدهور بماء نبع
وانفجر من آحاد بني آدم حتى صدر عنه الجم الغفير من الناس والحيوان روي، وانفجار
الماء من الأحجار ليس بمنكر ولا بديع وخروجه وتفجيره بين الأصابع معجز بديع.اهـ[8]
في الحديث:
قال ابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله (ت: 463): وفيه
إباحة الوضوء من إناء واحد للجماعة يغترفون منه في حين واحد، وفيه أنه لا بأس بفضل
وضوء الرجل المسلم يتوضأ به، وهذا كله في فضل طهور الرجال إجماع من العلماء،
والحمد لله.اهـ[9]
قال القَنَازِعي أبو المطرف عبد الرحمن بن مروان (ت: 413):
قال أبو محمد [عبد الله بن عثمان القرطبي (ت: 364)]:
عرضت هذه القصة للنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في ناحية الزوراء، ولم يستبح التيمم في ذلك
المكان عند عدمهم الماء؛ لأنهم كانوا أهل حضير، ولم يتوضأ من بئر بضاعة، وكان لا
يقربه من أجل نجاسته، وهذا يرد قول من أباح الوضوء بماء بئر بضاعة، واحتج بأن
الماء إذا كان قلتين لم ينجسه ما طرح فيه من النجاسة، وكانت النجاسة تطرح في بئر
بضاعة.اهـ[10]
ليس
بالضرورة، والاستدلال فيه بعد، فالنبي صلى
الله عليه وسلم كان واجدا للماء
قال ابن بطال: قال المهلب:
وفيه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛ لأنه إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء
لم يكن أحد أحق به من غيره بل كانوا فيه سواء [مالكه وغيره].
فعرضته
على بعض أهل العلم، فقال: ليس في الحديث ما يدل على ارتفاع ملك مالكه، ولا في
الأصول [الأدلة والقواعد العامة] ما يرفع الأملاك عن أربابها إلا برضى منهم، ولعله
أراد أن المواساة لازمة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.
قال عبد الواحد [بن عيسى الهمذاني أبو محمد (ت: 504) تلميذ ابن بطال،
روى عنه شرح البخاري]: مما يدل على أن ليس في إتيانهم بالماء
ارتفاع ملك مالكه: أنه لو لم يكن في ذلك الماء غير ما يفوت وضوء الآتي به لم يجز
له أن يعطيه لغيره ويتيمم، لأنه كان يكون واجدًا للماء، فلا يجزئه التيمم إلا أن
يكون الرسول أو إمام المسلمين فينبغي أن يفضله به على نفسه؛ لحاجة الإمام إلى كمال
الطهارة، وأنها فيه أوكد من سائر الناس، والماء الذى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يرتفع ملك أحد عنه، لأن من أتى به فقد توضأ به، والماء الذى ينبع وعم الناس كان
ببركة النبي صلى الله عليه وسلم،
ومن أجله، فلم يكن لأحد تملكه.اهـ[11]
صاحب
الما توضأ من مائه أو وَضوئه، وغيره توضأ من الماء الذي نبع من أصابعه صلى الله عليه وسلم
لغة:
ينبع:
الباء، بالضم والفتح والكسر[12]
عدم شهرة الحديث رواية:
شهد
الآية جمع من الصحابة، لكن لم ينقل في كل مرة إلا عن واحد من الصحابة؟
قال ابن بطال: وهذا الحديث شهده جماعة كثيرة من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم إلا
أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك – والله أعلم – لطول عمره، ولطلب الناس العلو في
السند.اهـ[13]
حكاه
قبله القنازعي[14]
سبق
أن الحديث لم ينفرد به أنس، لكن الظاهر أنه تكرر منه صلى الله عليه وسلم، وفي كل
مرة رواه واحد من الصحابة
والجواب
أن الدين محفوظ، فلا بد من نقل الشريعة عقائد وأحكام، ويحصل ذلك بنقل واحد من
الصحابة، التفرد قد يقدح في التفرد على راو تدور عليه الأسانيد كنافع والزهري؛ لأن
الوهم هو الأقرب، أما تفرد صحابي فلا يضره؛ لأنه يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم
مباشرة، واحتمال الوهم بعيد، فلا يعقل أن أنسا – وغيره من الصحابة – وهم، فحكى ما
لم يره ولم يحضره، وهذا هو الغالب في رواية الحديث، وهذا المنهج يستعمله أهل الرأي
في ردّ الحديث، بأنه تفرد في ما تعم به البلوى.
مع أن التفرّد – وإن لم تكن مخالفة – قد يكون علة في الحديث، وهو المنكر والشاذ، الذي لا يعرف وجه الخطأ فيه
النبوات وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 38
النبوات وفضائل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم 01
[1] المفهم 2 / 321
[2] وأخرجه في كتاب صلاة المسافرين مختصرا 52 - (706)
[3] إكمال المعلم بفوائد مسلم 7 / 239
[4] المفهم 6 / 52 – 53
[5] أعلام الحديث (شرح صحيح
البخاري) 1 / 264
[6] شرح صحيح البخاري 1 / 264
[7] الاستذكار 1 / 204
[8] دلائل النبوة ص: 405
[9] التمهيد 1 / 427 – 428
[10] تفسير الموطأ 1 / 139 – 140
[11] شرح البخاري 1 / 363
[12] شرح النووي 15 / 38 شرح الكرماني
على البخاري 3 / 5
[13] شرح صحيح
البخاري 1 / 264
[14] تفسير الموطأ 1 / 140

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق