الجمعة، 9 أكتوبر 2026

الرياض المزهرات في شرح البردة والمعلقات 26

الرياض المزهرات في شرح البردة والمعلقات 26

الرياض المزهرات في شرح البردة والمعلقات 26

✍بوعلام محمد بجاوي

وجمل من الفقه، وأحاديث الأحكام:

أي ومما ينبغي للكاتب تعلمه والنظر فيه:

قال ابن قتيبة: ولا بدّ له - مع ذلك - من النظر في:

جمل الفقه

ومعرفة أصوله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، كقوله: البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، والخراج بالضمان، وجرح العجماء جبار، ولا يغلق الرهن، والمنحة مردودة، والعارية مؤداة، والزعيم غارم، ولا وصية لوارث، ولا قطع في ثمر ولا كثر، ولا قود إلا بحديدة، والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، ولا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا، ولا طلاق في إغلاق، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، والجار أحق بصقبه، والطلاق بالرجال والعدة بالنساء، وكنهيه في البيوع عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة والمعاومة والثنيا، وعن ربح ما لم يضمن، وبيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع الغرر وبيع المواصفة، وعن الكالئ بالكالئ، وعن تلقي الركبان، في أشباه لهذا كثيرة، إذا هو حفظها، وتفهم معانيها وتدبرها، أغنته بإذن الله تعالى عن كثير من إطالة الفقهاء.اهـ[1]

أولا: جمل من الفقه

أي مسائل من الفقه، والفقه: هو معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين من أدلتها التفصيلية

وهي على درجتين:

المسائل الأصول: التي ظهر حكمها بالدليل البين من الكتاب والسنة الصحيحة أو الإجماع

المسائل الاجتهادية: التي هي محل نظر واجتهاد

فالأولى يحرم مخالفة الدليل، وفي الآخر يحل النظر بشرطين:

الأول: من العالم، وعليه التقيد بالمنهج العلمي، فالعالم الذي لا يتقيد المنهج العلمي، كالعامي، فالعلماء موقّعون عن ربّ العالمين، وقولهم "حلال" أو "حرام" معناه عند الله تعالى على ما ظهر لهم

الثاني: عدم الإحداث في الدين بالخروج عن اختلاف السابقين

مسائل الفقه:

الإنسان له علاقتان علاقة بربه، وعلاقة ببني جنسه:

ما بينه وبين الله: عبادة

وما بينه وبين الناس: مشاركة وقضاء وعقوبات

والفقه شامل للعلاقتين، وعليه فهو عبادات، ومعاملات، وأقضية وحدود وتعزيرات وشهادات

ويدخل في العلاقة بين العبد وربه مع العبادات: الأطعمة والأشربة والضحايا، والأيمان والنذور

أولا: العبادات

وهي أركان الإسلام الأربع: الصلاة والصيام، والزكاة والحج

ويضاف إليها "كتاب الطهارة" قبل "كتاب الصلاة"؛ لكثرة مسائله أفرد، فهو في حقيقة الأمر من كتاب الصلاة؛ لأنه شرطها، أي شرط صحتها، وبعضهم يفرد أوقات الصلاة، ويفتتح به كتب الفقه؛ لأنها شرطها، أي شرط وجوبها، وهو السبب، فيستحق التقدم على الشرط وهو الطهارة، وهو صنيع مالك بن أنس (ت: 179) في "الموطأ" افتتحه بـ "وقوت الصلاة"، والأشهر الأول

ثانيا: المعاملات

بين المسلمين وبين المسلمين والكافرين

يدخل فيها:

المعاملات المالية: وهي البيوع والأصل فيها الحل، وما شاكلها من الإجارة والشركة ونحوهما، والتحريم لأجل الربا أو الغبن أو الغرر أو العبادة

الأنكحة: والأصل فيه الحل أيضا، إلا ما حرم بسبب القرابة أو الرضاع أو المصاهرة أو اختلاف الدين أو الجمع، ويدخل فيه ما يتبعه من طلاق وعدة ولعان وإيلاء وظهار وإحداد ونحوها

الجهاد: وهو نوعان دفع وطلب

ثالثا: الأقضية والشهادات والحدود والتعزيرات التي سببها الجنايات

ويضيف المالكية في آخره كتاب "الجامع" وهي مسائل متفرقة لا تندرج تحت الكتب السابقة

وكتب الفقه على نوعين:

مفردة في مذهب، والمذاهب أربعة: الحنفي نسبة إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت (ت: 150) والمالكي نسبة إلى مالك بن أنس (ت: 179) والشافعي نسبة إلى محمد بن إدريس (ت: 204) والحنبلي نسبة إلى أحمد بن محمد بن حنبل (ت: 241)، وكانت مذاهب غيرها كمذهب الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو (ت: 157) في الشام والأندلس في أول الأمر[2]، لكن لم يكتب لها الدوام، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء

الغرض منها بيان الحكم في المذهب، الراجح أو المشهور أو المعتمد في المذهب، ومنها ما يذكر فيه الدليل

كتب الخلاف: يذكر فيها الخلاف بين المذاهب، وبعضهم يذكر الخلاف العالي، أي اختلاف الصحابة والتابعين قبل انتشار المذاهب، والغرض منها الانتصار للمذهب

والغالب على التمذهب، وهناك مذهب آخر، وهو في حقيقته عدم التقيد بمذهب، بل بأحد من أهل العلم، لا يرون التقيد بالإجماع السكوني ولا بأقوال من سبق، فيخرجون عن أقوالهم ويحدثون قولا لم يسبقوا إليه، وهم في أول الأمر الظاهرية وإمامهم وإمامهم أبو سليمان داود بن علي الظاهري (ت: 270)، ويسميه المغاربة القياسي؛ لإنكاره القياس، واشتهر هذا المذهب بـ: ابن حزم أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت: 456) صاحب "المحلى الآثار"، وأصولهم الغلو في الظاهر، عدم اعتبار القياس والعلل التي تفيد تخصيصا أو تعميما أو تأويلا، ويرونه تحريفا للنص، إضافة إلى إنكار الإجماع، والإجماع عند ابن حزم السنة المتواترة والسنة التقريرية، وفي الحكم على الأحاديث كالفقهاء في عدم النظر في العلل والشذوذ (التفرد القادح)

وتأثر به طائفة من أهل السنة ومن الزيدية، ووجد فيه متتبعو الرخص في هذا الزمان حاجتهم، فيختارون في كل مسألة ما يرونه الأيسر ولو كان شاذا لا يكاد يعرف

ولابن رجب رسالة "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" والقصد أن الحق لا يخرج عنهم، وهذا بالتتبع والاستقراء، والخارج عنهم إما أن يتمسك بالظاهر دون نظر في العلل والمعاني، وإما أن يصحّح الحديث الذي رده النقاد بعلة أو شذوذ السند أو المتن

قال الذهبي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان (ت: 748) في قول إسحاق بن راهويه (ت: 238): إذا اجتمع الثوري والأوزاعي ومالك على أمر فهو سنة.

قلت: بل السنة ما سنه النبي G والخلفاء الراشدون من بعده، والإجماع: هو ما أجمعت عليه علماء الأمة قديما وحديثا، إجماعا ظنيا أو سكوتيا، فمن شذ عن هذا الإجماع من التابعين أو تابعيهم لقول باجتهاده احتمل له، فأما من خالف الثلاثة المذكورين من كبار الأئمة، فلا يسمى مخالفا للإجماع ، ولا للسنة، وإنما مراد إسحاق: أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالبا، كما نقول اليوم: لا يكاد يوجد الحق في ما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها.اهـ[3]

فعلى الكاتب أولا: أن يعرف حقيقة الفقه وتدوينه ومذاهبه وأعلامه

ثم يعرف أشهر مسائل كل كتاب

والمعاني الشرعية أو الاصطلاحية

وأيضا جمل من أصول الفقه، الأدلة الأصلية، وهي الكتاب السنة والإجماع والقياس، والتبعية كالاستصحاب والمصالح المرسلة، ودلالات الألفاظ من عام وخاص ونحوه، وطرق الجمع والترجيح

ومعرفة آيات الأحكام، وأشهر أحاديث الأحكام، وهو الذي ذكره ابن قتيبة بعد "جمل من الفقه"   

الرياض المزهرات في شرح البردة والمعلقات 27 

الرياض المزهرات في شرح البردة والمعلقات 01 

صفحة الأدب




[1] أدب الكاتب ص: 15 – 16

[2] قال الذهبي: وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة، وفقهاء الأندلس، ثم فني.اهـ سير أعلام النبلاء 7 / 117

[3] سير أعلام النبلاء 7 / 116 – 117

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

اتصل بنا